أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل فهمي، اليوم الثلاثاء، ضرورة الانتقال بالعمل العربي المشترك من مرحلة رد الفعل إلى المبادرة والفعل وصياغة رؤية عربية استباقية لمستقبل المنطقة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي والتحديات الإقليمية المتزايدة، وذلك خلال محاضرة ألقاها في معهد سعود الناصر الصباح الدبلوماسي ضمن زيارته الرسمية للبلاد، بحضور نائب وزير الخارجية السفير حمد المشعان.
تحول النظام الدولي من قوة القانون إلى قانون القوة وتوظيف الاقتصاد والممرات المائية في النزاعات
وقال فهمي إن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية استند إلى ميثاق الأمم المتحدة وقام على مبدأين رئيسيين، هما عدم استخدام القوة خارج إطار قانوني واضح يتمثل في قرارات مجلس الأمن أو حق الدفاع عن النفس، واحترام سيادة الدول، مشيراً إلى أن الواقع الدولي يشهد تحولاً من «نظام مبني على قوة القانون إلى نظام مبني على قانون القوة».
وأوضح أن الأدوات الاقتصادية والتجارية باتت تستخدم في النزاعات، بما في ذلك ما يتعلق بالممرات المائية الدولية وفرض قواعد أحادية الجانب تطال دولاً ليست طرفاً في النزاع، لافتاً إلى أن الطائرات المسيّرة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي أسهمت في تسريع دورة اتخاذ القرار العسكري وزيادة استهداف المواقع المدنية.
مفهوم «الردع السياسي» يقوم على القدرات الذاتية وتنويع العلاقات إلى جانب القدرات الدفاعية
وأكد أن المنطقة العربية تقع في قلب التحولات الدولية وأن الدعوة إلى الانعزال عما يجري حولها ليست واقعية، مبيناً أن معظم الدول العربية صغيرة أو متوسطة الحجم مقارنة بالقوى الكبرى، ما يجعل مواجهة التحديات بصورة منفردة وبمنطق رد الفعل أقل قدرة على حماية المصالح الوطنية.
وطرح في هذا السياق مفهوم «الردع السياسي» الذي يقوم إلى جانب القدرات الدفاعية على تعزيز القدرات الذاتية للدول وتنويع العلاقات السياسية بما يتيح خيارات أوسع لخدمة المصالح الوطنية، فضلاً عن إدارة العلاقات مع دول الجوار بكفاءة وفاعلية.
ثلاثة محاور لأجندة العمل العربي: التصدي للأزمات والتطوير والتنمية المستدامة
واستعرض فهمي ثلاثة محاور رئيسية لأجندة العمل العربي المشترك، تتمثل في التصدي الفاعل للأزمات من خلال معالجة القضايا العربية بأيد عربية، والتطوير باعتباره استعداداً دائماً للمستقبل، إلى جانب التنمية المستدامة بوصفها ركيزة لتعزيز الاستقرار وتحقيق تطلعات الشعوب العربية.
وجدد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية استناداً إلى القانون الدولي ومبادرة السلام العربية القائمة على حل الدولتين وإنهاء الاحتلال، داعياً إلى متابعة عربية فاعلة لتنفيذ بنود الاتفاق المتعلق بقطاع غزة، ومؤكداً أهمية الحفاظ على الدولة الوطنية ووحدة مؤسساتها في السودان وليبيا وسوريا واليمن.
الشباب أكثر من 65 في المئة من سكان العالم العربي والأمن المائي والغذائي أولوية استراتيجية
وسلط الضوء على أهمية ملفي الشباب والمياه في تحديد مستقبل المنطقة، موضحاً أن الشباب يشكلون أكثر من 65 في المئة من سكان العالم العربي، فيما تعد المنطقة من أكثر مناطق العالم تأثراً بشح المياه، ما يجعل التعاون العربي في مجالي الأمن المائي والغذائي أولوية استراتيجية، مشيراً إلى أهمية تبادل الخبرات في مجالي الري وتحلية المياه.
استعادة الثقة بالعمل العربي المشترك تتطلب إنجازات ملموسة لا خطاباً سياسياً
وفي رده على أسئلة الحضور، قال فهمي إن تراجع الثقة بالعمل العربي المشترك يمثل أحد أبرز التحديات التي واجهته مع بداية ولايته، مؤكداً أن استعادتها تتطلب تحقيق إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن العربي، وأن تبدأ بملفات تتوافر فيها فرص النجاح قبل الانتقال إلى القضايا الأكثر حساسية، وأن التحدي لا يكمن في نصوص ميثاق الجامعة بقدر ما يرتبط بالممارسة العملية وصياغة قرارات واضحة قابلة للتنفيذ.
ووصف العلاقة بين جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية بأنها علاقة تكامل لا تنافس، لافتاً إلى الاتفاق على تعزيز قنوات الاتصال والتشاور بين الأمانتين العامتين.
رسالة إلى الجيل الجديد من الدبلوماسيين: نقل صورة صريحة ومتكاملة إلى صانع القرار
ووجه فهمي رسالة إلى الجيل الجديد من الدبلوماسيين العرب أكد فيها أن العمل الدبلوماسي مسؤولية وأمانة تتطلب الإصغاء الدقيق والالتزام بالتعليمات ونقل صورة متكاملة وصريحة عن الواقع إلى صانع القرار.
وحضر المحاضرة عدد من قيادات وزارة الخارجية وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى البلاد وممثلو المنظمات الدولية، فيما أدار الحوار مندوب دولة الكويت الدائم لدى جامعة الدول العربية السفير طلال المطيري، وتأتي المحاضرة بعد أشهر من تولي فهمي مهامه في الأول من يوليو الماضي.
المصادر